صوت عدن / الإعلام الأممي : 

السيد الرئيس، أود في البداية أن أعبر عن عميق تضامني مع معاناة المدنيين في بلدكم وفي المنطقة بأسرها. لقد عانى شعب البحرين، كما كثير من شعوب هذه المنطقة، من أسابيع من العنف غير المبرر. ونتطلع الآن إلى أن يسهم وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران في إنهاء هذا الصراع والتخفيف من حالة عدم اليقين والخوف التي خيمت على المنطقة. فالمخاطر التي تواجه شعوب المنطقة، بما في ذلك اليمن، كبيرة للغاية.
السيد الرئيس، لم يسلم اليمن من تبعات هذه الحرب. فعندما شنت أنصار الله هجمات ضد إسرائيل في نهاية مارس/آذار، ساد قلق عالمي من احتمال توسع الحرب إلى جبهة أخرى. وقد شاركتُ هذا القلق، كما أعربتُ عن مخاوفي من احتمال انجرار اليمن مجددًا إلى مواجهة إقليمية شاملة، بما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على شعبه. حتى الآن، تمكن اليمن من تجنب هذا المصير، غير أن المخاطر لا تزال قائمة. وأجدد التأكيد على دعوة الأمين العام لأطراف النزاع في الشرق الأوسط إلى الالتزام ببنود وقف إطلاق النار، وأدعو أنصار الله إلى الامتناع عن أي هجمات أخرى.
على مدى الشهرين الماضيين، انخرطت بشكل مكثف مع الأطراف اليمنية، بما في ذلك أنصار الله، وكذلك مع الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية. ومن عمّان، وعلى امتداد زياراتي إلى عدن وموسكو والرياض وواشنطن، شددت على ضرورة حماية عملية السلام في اليمن من التصعيد الإقليمي، والحفاظ على حرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن. إن المخاوف التي تشغل العالم اليوم تُعدّ قضايا قائمة في اليمن والبحر الأحمر وخليج عدن منذ عام 2023، وأجدد التأكيد على ضرورة صون حرية الملاحة والالتزام بالقانون البحري الدولي.
السيد الرئيس، كانت زيارتي الأخيرة إلى عدن تذكيرأً بأن اليمن، بعد عقد من النزاع، لم يعد لدى اليمن قدرة تُذكر لتحمّل المزيد من الصدمات. لذلك تُولي الحكومة الجديدة، بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، الذي التقيته في عدن، أولوية قصوى لجهود استقرار الاقتصاد، بما في ذلك ما يتعلق بتوفير الكهرباء ورواتب القطاع العام، وذلك بدعم حيوي من المملكة العربية السعودية. ويستحق إنجازان على وجه الخصوص الإشارة: إقرار موازنة الدولة لعام 2026 – وهي الأولى منذ سبع سنوات – واختتام مشاورات المادة الرابعة بين الحكومة وصندوق النقد الدولي، وهي الأولى منذ 11 عاماً.
هذه مؤشرات إيجابية. لكن اليمن لا يزال شديد التأثر بالتداعيات الاقتصادية للتصعيد الإقليمي، وكما أظهرت الأوضاع العالمية، فإن الفئات الأشد فقراً وضعفاً تتحمل العبء الأكبر. لطالما عانى اليمنيون في جميع أنحاء البلاد من قصور الخدمات العامة، وتأخر الرواتب، وارتفاع الأسعار، وسيتعين عليهم الآن مواجهة اضطرابات الاستيراد وارتفاع أسعار الوقود والغذاء نتيجةً للصراع الأوسع في الشرق الأوسط. كما يعتمد اليمن بشكل كبير على التحويلات المالية من دول مجلس التعاون الخليجي، وهي معرضة لخطر التراجع. تأتي هذه الضغوط في ظل اقتصاد يمني منهك أصلًا نتيجة عرقلة صادرات النفط والغاز الحكومية، وانقسام البنك المركزي، والتسييس الأوسع للحياة الاقتصادية، الأمر الذي جعل اليمنيين العاديين، يدفعون لفترة طويلة ثمن قرارات تُتخذ دون إشراكهم.
يواصل مكتبي الانخراط مع الأطراف وأصحاب المصلحة الآخرين في المسار الاقتصادي – من أجل الحد من التوترات الاقتصادية وبناء ترتيبات تتيح للأطراف تحقيق مكاسب من التعاون تفوق تلك الناجمة عن المواجهة. وتُعد هذه القضايا جزءًا لا يتجزأ من السعي نحو التوصل إلى تسوية سياسية مستدامة للنزاع.
السيد الرئيس، يعد خفض التصعيد واسع النطاق الذي ساد في اليمن منذ هدنة 2022 إنجازًا مهمًا ينبغي على الأطراف البناء عليه. غير أن هناك مؤشرات مقلقة، بما في ذلك تقارير عن تحركات للقوات، تشير إلى أن هذا الهدوء النسبي لا يمكن اعتباره أمرًا مسلّماً به، لا سيما في ظل الاضطرابات الإقليمية الراهنة. وعلاوة على ذلك، لا يزال المدنيون اليمنيون يتحملون تبعات نزاع لم يُسوَّ بعد. فقد أسفر القصف المدمر الذي شنته أنصار الله على تجمع إفطار رمضاني في محافظة حجة، إلى جانب تزايد حوادث القنص قرب خطوط المواجهة في تعز، عن سقوط ضحايا مدنيين، بينهم أطفال. وأجدد دعوتي إلى المساءلة واحترام القانون الدولي الإنساني.
كما يساورني القلق إزاء سقوط ضحايا خلال الاحتجاجات الأخيرة في المكلا. إن دعوة الرئيس العليمي لإجراء تحقيق خطوة مُرحّب بها، ويجب على جميع الأطراف ضبط النفس. تُؤكد هذه الحوادث على أهمية تعزيز الحوار والتفاهم المُشترك بين الجنوبيين، وهي نقطة أكّدتها أيضاً أصوات المجتمع المدني التي استمعتُ إليها خلال زيارتي إلى عدن.
بالانتقال إلى الحديدة، اختتمت بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة ولايتها في 31 مارس/آذار وفقاً لقرار مجلس الأمن 2813. وسيواصل مكتبي دعم تنفيذ الاتفاق من خلال التواصل مع الأطراف عبر مكاتبنا في عدن وصنعاء وعمّان. ويظل تحقيق وقف إطلاق نار على مستوى البلاد أولوية قصوى، وسنواصل جهودنا لخفض التصعيد على خطوط المواجهة في جميع أنحاء اليمن.
السيد الرئيس، على مدى الأسابيع العشرة الماضية، أجرت الأطراف مفاوضات مباشرة برعاية الأمم المتحدة في عمّان بشأن المحتجزين على خلفية النزاع، وهي أطول جولة مفاوضات بشأن هذه القضية حتى الآن. وتُظهر هذه المحادثات أن التفاوض بشأن القضايا ذات الأهمية البالغة للشعب اليمني لا يزال ممكناً، حتى في ظل الظروف الصعبة الراهنة. ورغم إحراز تقدم ملحوظ، لم تصل هذه المحادثات إلى نتيجة نهائية حتى الآن، ويتعين على الأطراف تقديم تنازلات إضافية لإتمام عمليات الإفراج. لذلك أحث الأطراف على مضاعفة جهودها والتوصل إلى نتيجة إيجابية لهذه العملية. كما أظل ممتنًا للمملكة الأردنية الهاشمية على استضافتها لهذه المفاوضات، وللجنة الدولية للصليب الأحمر على دورها الحيوي.
كما تعاني عائلات زملائنا في الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية والسفارات، المحتجزين تعسفيًا لدى أنصار الله، من وطأة غياب أحبائهم. ومن بين 73 من زملائنا في الأمم المتحدة، تم احتجاز عدد منهم بمعزل عن العالم الخارجي طوال فترة احتجازهم، بينما سُمح لآخرين بالتواصل مع أسرهم بشكل غير منتظم. وتشكل هذه الاحتجازات انتهاكًا لامتيازات وحصانات الأمم المتحدة، كما تُقوّض قدرتها على أداء مهمتها، مما يُؤثر بشكل مباشر على الشعب اليمني. أُواصل دعوة أنصار الله على الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المحتجزين، ووقف جميع الإجراءات القضائية التي تفتقر إلى الإجراءات القانونية الواجبة. وأعول على الدعم الثابت لهذا المجلس لدفع جهود الإفراج عنهم.
السيد الرئيس، إن طريق عملية السلام في اليمن لا يخلو من التحديات. فكل تصعيد في المنطقة يُعمّق فجوة الثقة بين الأطراف، ويُزيد من القلق الذي يُنظر به إلى اليمن من خارج حدوده. غير أن اليمنيين بحاجة إلى حل يمني لليمن؛ ولا ينبغي أن يُرتهن مستقبلهم للاضطرابات الإقليمية. ولا تزال العملية السياسية الجامعة هي السبيل الوحيد القابل للاستمرار نحو حل دائم للنزاع، بما يضمن مستقبلاً آمناً ومزدهراً لليمنيين، ويُقدّم الضمانات التي تحتاجها المنطقة والمجتمع الدولي، بما في ذلك ضمان حرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.
السيد الرئيس، في لحظات يسودها هذا القدر من عدم اليقين، قد تميل أطراف النزاع إلى الانتظار — انتظار انقشاع الغبار، ومراقبة مآلات الأمور، والأمل بأن تسير الأمور لصالحها، والاعتقاد بأن العاصفة الإقليمية قد تعيد ترتيب المشهد بطريقة تعفيها من صعوبة تقديم التنازلات. غير أن الرهان على العاصفة هو رهان على أمر لا يملك أحد السيطرة عليه بالكامل. وبدلًا من ذلك، يتعين على الأطراف اليمنية الاستثمار في التوصل إلى تسوية سياسية تضمن مستقبلًا أفضل للشعب اليمني. وأدعو هذا المجلس إلى مواصلة جهوده المتضافرة للمساعدة في ضمان اتخاذهم هذا الخيار.

شكراً جزيلاً السيد الرئيس