عندما تكشف الحرب في اليمن عورة العدالة الدولية
تتجلى حقيقة النظام الدولي المعاصر في أبهى صورها البراغماتية عندما يوضع شعار العدالة الإنسانية على محك الاختبار الحقيقي . فالمواقف السياسية التي تتخذها القوى الكبرى والحكومات الغربية تجاه النزاعات المسلحة غالباً ما تكشف عن ازدواجية معايير صارخة ، ونفاق علني يتجاوز حدود المنطق الأخلاقي ، ليؤكد أن لغة المصالح هي المحرك الأساسي لمواقف الإدانة والاستنكار ، وهنا تتجلى بوضوح على أرض الواقع سياسة الكيل بمكيالين .
اليوم نرى انتفاضة دبلوماسية وبيانات شجب واسعة النطاق من عواصم دولية وإقليمية ، تستنكر الإجراءات العسكرية والقيود التي تفرضها صنعاء على بعض الموانئ والمطارات ، في المقابل تصاب هذه الجهات نفسها بالصمم والعمى السياسي تجاه الحصار الخانق المفروض على الموانئ والمطارات اليمنية منذ عام 2015 م ، إن هذا التغافل المتعمد يضع علامات استفهام كبرى حول مفهوم القانون الدولي وحقوق الإنسان لدى هذه المنظومة .
وفي المشهد ذاته تتدفق دموع التماسيح مدرارة جراء الصواريخ والطائرات المسيرة التي تستهدف منشآت حيوية في العمق السعودي ، بينما جفت دموع تلك الدول وعميت أبصارها طيلة سنوات طوال ، أمطرت خلالها آلاف الأطنان من القذائف والقنابل الذكية المدن والقرى اليمنية ، ولم تسلم من هذه القنابل المستشفيات المكتظة بالمرضى ، ولا المدارس التي تضم الأطفال ، ولا حتى صالات الأفراح ومجالس العزاء ، مخلّفة وراءها مئات الآلاف من الضحايا بين قتيل وجريح ، دون أن يرف لتلك الحكومات جفن أو تتحرك ضمائرها .
يتساءل المواطن اليمني بمرارة ، هل أصبح دمه مستباحاً إلى هذا الحد؟ وهل روحه وحياته بلا ثمن في سوق السياسة الدولية ؟ .
إن هذا الصمت المطبق ، والإنكار الفج للمعاناة الإنسانية في اليمن ، حيث يفتك الجوع والمرض والأوبئة بالأطفال والنساء والشيوخ جراء الحصار الاقتصادي المستمر ، يمثل وصمة عار في جبين الإنسانية والمدّعين بحمايتها .
إن ما قامت به صنعاء من نقل للمعركة إلى عمق أراضي الأطراف الأخرى لم يكن رغبة في الدمار ، بل كان خيار الضرورة القصوى لكسر حالة الجمود وفرض معادلة جديدة . لقد كان الهدف هو إيصال جزء بسيط من المعاناة التي يعيشها الشعب اليمني يومياً إلى أولئك الذين اعتقدوا أنهم بمنأى عن لهيب نار الحرب ونتائجها الكارثية .
وعندما تلسع نيران الحروب الجميع ، تتبدد الأوهام ، ويبدأ الجميع بإدراك أن الأمن لا يمكن أن يكون مجزأً ، وأن الاستقرار لا يتحقق بإبادة الآخر أو تجويعه .
لقد حان الوقت لتستوعب الأطراف المعنية والمجتمع الدولي الدرس جيداً ، أن السلام الحقيقي المستدام ، المبني على الندية واحترام السيادة ورفع الحصار ، هو السبيل الوحيد لضمان الرخاء والاستقرار لجميع شعوب المنطقة ، ودون ذلك ، ستبقى النيران مشتعلة ولن يستثني لهيبها أحداً .