غابت النخوة عن غزة وظهَرت ضد اليمن
تضعنا التحالفات العسكرية والأمنية التي تشهدها المنطقة العربية والإسلامية أمام مفارقة سياسية وتاريخية عجيبة ، وتثير تساؤلات مشروعة حول شعارات النخوة والدفاع المشترك التي ترفع في مواقف وتغيب تماماً في مواقف أخرى أكثر دموية وإلحاحاً .
لقد رأينا كيف تأسست تحالفات عسكرية عربية وإسلامية ضخمة ، وحشدت الجيوش والترسانات تحت عناوين متعددة ، من بينها حماية الأمن القومي العربي أو الدفاع عن حدود قوى إقليمية . ولكن السؤال الملح الذي يفرضه الواقع والضمير الإنساني اليوم هو أين تبخرت هذه النخوة العربية والإسلامية ، وأين اختفت هذه الترسانات العسكرية أمام حرب الإبادة الجماعية والمجازر الوحشية التي ارتكبها الاحتلال الصهيوني ومازال ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة ؟ .
إن المشهد الحالي أسقط ورقة التوت الأخيرة ، وكشف المستور عن واقع مرير تعيشه الأمة . إذ تبدو الفجوة هائلة وعميقة بين الشعوب العربية والإسلامية النابضة بالعروبة والتضامن ، وبين الأنظمة والحكومات التي اختار الكثير منها دور المتفرج اللامبالي أمام مشهد ذبح الأطفال والنساء والشيوخ في غزة . بل إن الصدمة الأكبر تكمن في تحول بعض هذه الأنظمة إلى أدوات تنفذ الأجندات الأمريكية والصهيونية في المنطقة ، بدلاً من الانتصار لعدالة القضية الفلسطينية .
وفي غمرة هذا الخذلان ، تبرز المفارقة العجيبة ، فبينما كانت جيوش تحالفات كبرى تقف موقف المتفرج من حرب الإبادة الصهيونية ، نجد أن اليمن كان من القوى القليلة التي تحركت عملياً ونصرت غزة وأهلها ، ودفعت أثماناً باهظة جراء هذا الموقف المبدئي . واليوم تتوارد الأنباء والتحركات لإعادة إحياء وتنشيط تحالفات عسكرية بمشاركة قوى إقليمية مثل السعودية وتركيا وباكستان ومصر وغيرها ، لتوجه سهامها نحو اليمن وتدمير مقدراته واستهداف شعبه ، تحت لافتات مختلفة ، لكنها صبت في التحليل السياسي النهائي لصالح إرضاء الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وإلكيان الصهيوني .
إن هذه السياسات لا تعكس تطلعات الشعوب ، بل تؤكد ارتهان القرار السياسي لبعض الحكومات للمحاور الغربية . إن التاريخ لن يرحم المتخاذلين ، وإن حشد الجيوش لمحاربة بلد عربي إسلامي وقف مدافعاً عن فلسطين ، في الوقت الذي يُترك فيه الفلسطينيون يواجهون آلة القتل الصهيونية وحدهم ، سيبقى وصمة عار في جبين هذه الأنظمة ، ودليلاً قاطعاً على اختلال موازين العدالة والنخوة في السياسة الرسمية العربية والإسلامية .