في الذكرى الرابعة والأربعين لتأسيس المؤتمر الشعبي العام، لم يكن خطاب أحمد علي عبدالله صالح مجرد استعادة لتاريخ المؤتمر أو مناسبة لاستحضار رموزه وشهدائه، بل حمل في طياته رسائل سياسية مختلفة، أكثر وضوحا وجرأة من الخطابات السابقة، رسائل تجمع، للمرة الأولى بهذا القدر من الصراحة، بين السياسي والعسكري دون مواربة..

لقد حدد بوضوح أن المعركة الحقيقية هي استعادة الدولة والقرار الوطني، وحماية الجمهورية، ومواجهة المشروع الحوثي الذي صادر مؤسسات الدولة وانقلب على النظام الجمهوري واستهدف الحريات والحقوق والهوية الوطنية، وهو هنا لا يتحدث بصفته مراقبا للمشهد، ولا كقيادي حزبي يكتفي بتوصيف الأزمة، بل يقدم نفسه بوصفه طرفا في معادلة الصراع، وصاحب موقف ورؤية تجاه المعركة التي ينتظر اليمنيون حسمها منذ أكثر من اثني عشر عاما..

وهنا تكمن أهمية الخطاب.

فأحمد علي لم يكتف بتشخيص ما جرى، بل انتقل إلى تحديد الطريق: استعادة الدولة، توحيد الصف الوطني، بناء قوة عسكرية وأمنية منظمة، وإنهاء الانقلاب. وهذه مفردات لا تنتمي إلى خطاب سياسي تقليدي بقدر ما تنتمي إلى خطاب رجل يعرف معنى الدولة وموازين القوة، ويستحضر في الوقت ذاته خلفيته العسكرية والسياسية..

الأكثر إثارة في الخطاب هو أنه وضع مجلس القيادة الرئاسي والحكومة أمام مرآة صعبة، حين دعا بوضوح إلى الانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة الحل، والعودة إلى الداخل، وتفعيل مؤسسات الدولة والقضاء والأمن والاقتصاد، وتحمل المسؤولية تجاه المواطنين..

وهنا يصبح خطاب أحمد علي أكثر من مجرد خطاب مناسبة، إنه اختبار سياسي مفتوح أمام قيادة الشرعية، التي وضع لها أمام جمهورها سؤالا لا يمكن تأجيله: هل تستطيع الانتقال من حالة الانتظار وإدارة الأزمات إلى امتلاك زمام المبادرة وصناعة الحل؟.

هذا الطرح يفرح أنصاره بلا شك، لأنهم لا يريدونه أن يبقى خارج المشهد، أو أن يختزل حضوره في كونه اسما عسكريا من الماضي. وفي المقابل، يضع قيادة المجلس الرئاسي أمام واقع أكثر إزعاجا، إذ إن بروز شخصية سياسية وعسكرية بهذا الوزن في لحظة وطنية حرجة يعني أن مساحة المناورة السياسية تضيق، وأن الرأي العام سيبدأ بمقارنة الأقوال بالأفعال، ومن يملك القدرة على تحويل الحديث عن استعادة الدولة إلى مشروع قابل للتنفيذ..

أما الحوثيون، فربما يكونون الأكثر قراءة لما وراء الكلمات.
فهم يدركون أن أحمد علي ليس مجرد اسم سياسي، بل شخصية ارتبطت لسنوات بالمؤسسة العسكرية، وتمتلك حضورا داخل المؤتمر وقواعده، وتستند إلى إرث سياسي واجتماعي لا يمكن تجاهله. ولذلك فإن عودة الرجل إلى الواجهة، إذا تحولت من خطاب إلى فعل سياسي منظم، يمكن أن تعيد ترتيب جانب من معادلات القوة داخل المعسكر المناهض للحوثيين، خصوصا إذا اقترنت بمشروع لتوحيد القوى وإنهاء صراعاتها الداخلية..

لقد قال أحمد علي، بصورة واضحة، إن بوصلته اليمن، وإن هدفه الدولة، وإن الجمهورية والوحدة والسيادة والحرية والكرامة ثوابت لا مساومة عليها. وهذه ليست عبارات عابرة إذا ما قُرئت في سياقها السياسي؛ فهي ترسم ملامح موقع يريد صاحبه أن يكون له في المرحلة المقبلة..

لذلك يمكن القول إن أهمية هذا الخطاب لا تكمن فقط فيما قاله، بل في ما فتحه من أسئلة؟.