حين يتحول التفويض إلى عبودية
لم نُهزم لأن خصومنا كانوا أقوى، بل لأننا اخترنا أن نكون أضعف. لم نفوض مؤسسة تُبنى وتُحاسَب، بل فوّضنا أشخاصا يُقدَّسون ويُعصَمون. ومن هنا بدأت الكارثة.
التفويض الشخصي ليس مجرد خطأ سياسي، بل بوابة مفتوحة للاستبداد. هو اللحظة التي يتنازل فيها المجتمع عن عقله، ويسلّم مصيره لفرد، ثم يطالبه بالمعجزات. وحين يفشل — وهو سيفشل — لا يسقط وحده، بل تسقط معه القضية، لأننا ربطناها باسمه لا بمشروعها.
ما حدث لم يكن انحرافا طارئا، بل نتيجة حتمية: صُنع الصنم، ثم حُرست قداسته بالصور والمواكب والهتافات. تحوّل القائد إلى فكرة، والفكرة إلى عقيدة، والعقيدة إلى سجن. وكل من يجرؤ على السؤال يُدان، لا لأنه مخطئ، بل لأنه كسر هيبة الوهم.
الأخطر من الصنم هو من يعبده. أولئك الذين عاشوا عبيدا للسلطة في كل مراحلها، فاستبدلوا سيدا بآخر، وغيّروا الشعار وأبقوا العقل نفسه. أضيف إليهم جرحى الماضي، والمناطقية الضيقة، والعنصرية المغلّفة بالشعارات… فكانت النتيجة: قطيعٌ غاضب، يرفع راية الوطن، لكنه يقاتل من أجل مصالحه الصغيرة.
فلنسأل بوضوح: هل ثرنا لنُسقِط طاغية أم لنُعيد إنتاجه؟ هل خرجنا من أجل وطن، أم من أجل حصة في وطن؟ هل نريد دولة، أم نريد “سيدا عادلاً” فقط؟
الحقيقة القاسية أن كثيرين لا يريدون وطنا، بل يريدون غالبا ينتصر لهم. لا يريدون قانونا، بل مظلة تحميهم. لا يريدون مؤسسة، بل رجلا يُشبههم ويُقصي غيرهم.
وعندما اصطدم هذا الوهم بالواقع، لم تحدث مراجعة، بل ازداد التمسك بالصنم. كأن الفشل دليل براءته، وكأن الانهيار مؤامرة عليه، لا نتيجة له. وهنا تتحول المأساة إلى مهزلة: يُدافعون عن السبب، ويهاجمون النتيجة.
لا إصلاح ممكن دون كسر هذه الحلقة: لا قداسة لفرد، لا تفويض بلا محاسبة، لا قضية تُختزل في شخص. فالوطن لا يُبنى بالهتاف، ولا يُحمى بالولاء الأعمى، بل بمؤسسات تُقيّد الجميع، قبل أن تحمي الجميع.
وما لم نمتلك شجاعة الاعتراف بأننا كنا جزءا من المشكلة، سنبقى وقودا لها… نُسقِط صنما لننصب آخر، ونهتف للحرية بينما نمارس العبودية.