في كل مرة تندلع فيها مواجهة عسكرية بين قوى كبرى أو قوى إقليمية وازنة، يعود السؤال ذاته إلى الواجهة:
أين مجلس الأمن؟ وأين الشرعية الدولية؟
الميثاق الأممي واضح في نصوصه: استخدام القوة بين الدول لا يكون مشروعًا إلا بقرار من مجلس الأمن، أو في حالة دفاع مشروع عن النفس وفق المادة (51). لكن الواقع الدولي كثيرًا ما يسير في اتجاه مختلف.
ما يجري اليوم يعيد طرح إشكالية قديمة متجددة:
هل النظام الدولي محكوم بالقانون… أم بموازين القوة؟

أولًا: الشرعية في النص… والسلطة في التطبيق
مجلس الأمن هو الجهة المخوّلة بحفظ السلم والأمن الدوليين.
لكن عمليًا، المجلس رهينة لتوازنات القوى الخمس الدائمة العضوية، وحق النقض (الفيتو) يجعل الحسم في النزاعات الكبرى شبه مستحيل إذا تعارضت المصالح.
بمعنى أدق:
القانون موجود… لكن تطبيقه سياسي.
حين تقرر قوة عظمى التحرك عسكريًا، فإنها غالبًا تستند إلى:
تفسير موسّع لمفهوم الدفاع الوقائي،
ادعاء وجود تهديد وشيك،
أو حماية أمن قومي تعتبره غير قابل للمساومة.
غير أن هذه التفسيرات لا تحظى دائمًا بإجماع قانوني دولي.

ثانيًا: سابقة العراق وازدواجية المعايير
عام 2003، شنت الولايات المتحدة حربًا على العراق دون تفويض صريح باستخدام القوة من مجلس الأمن.
رأت واشنطن أن قرارات سابقة تبرر التحرك، بينما اعتبرت دول عديدة أن الحرب افتقرت إلى الشرعية القانونية.
ذلك الحدث رسّخ قناعة واسعة بأن القوى الكبرى قد تتجاوز الإطار الأممي عندما ترى أن مصالحها الحيوية على المحك.
لكن من المهم التأكيد أن هذه الممارسة ليست حكرًا على طرف بعينه.

ثالثًا: أمثلة روسية أكثر وضوحًا قانونيًا
1__ روسيا وجورجيا (2008)
تدخلت روسيا عسكريًا في جورجيا بحجة حماية مواطنيها في أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، دون تفويض أممي صريح، وأعقب ذلك اعتراف موسكو باستقلال الإقليمين.
2__ضمّ شبه جزيرة القرم (2014)
تم ضم القرم إلى روسيا بعد استفتاء محلي، لكن الجمعية العامة للأمم المتحدة اعتبرت الخطوة مخالفة للقانون الدولي وأكدت وحدة الأراضي الأوكرانية.
3__ الحرب في أوكرانيا (2022)
التدخل العسكري الروسي الواسع في أوكرانيا تم دون قرار من مجلس الأمن، واستند إلى اعتبارات أمن قومي روسية، لكنه واجه إدانات واسعة باعتباره خرقًا لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة.
هذه الحالات تمثل أمثلة أوضح من حيث تجاوز استخدام القوة ضد دول ذات سيادة معترف بها دوليًا.

رابعًا: الحالة الصينية – تعقيد قانوني مختلف
فيما يتعلق بالصين، الصورة أكثر تعقيدًا.
معظم دول العالم تعترف بسياسة “الصين الواحدة”، أي أن جمهورية الصين الشعبية هي الممثل الشرعي الوحيد للصين في الأمم المتحدة.
غير أن وضع تايوان القانوني يختلف عن حالات كجورجيا أو أوكرانيا.
تايوان تتمتع بحكم ذاتي فعلي منذ عام 1949، لكنها ليست عضوًا في الأمم المتحدة، ولا يوجد قرار أممي صريح يحدد وضعها كدولة مستقلة أو يؤكد تبعيتها الإدارية المباشرة لبكين.
لذلك، فإن أي تحرك عسكري محتمل في هذا السياق يُناقش دوليًا ضمن إطار “تغيير الوضع القائم بالقوة”، وليس ضمن حالة اعتداء واضح على دولة عضو معترف بها أمميًا كما في الحالة الأوكرانية.
هذا الفارق القانوني يجعل المقارنة المباشرة غير دقيقة، ويستوجب التعامل مع المثال الصيني بحذر تحليلي.

خامسًا: هل نحن أمام “تنمر دولي”؟
وصف التحركات الأحادية بأنها “تنمر” يعكس شعورًا باختلال ميزان القوة، خاصة عندما:
لا يُستنفد المسار الدبلوماسي،
لا يُمنح مجلس الأمن فرصة فاعلة للنظر في النزاع،
يبدو الرد غير متكافئ.
لكن من زاوية التحليل الواقعي، كل قوة كبرى ترى نفسها في موقع الدفاع عن أمنها الحيوي، حتى لو اعتبر الآخرون ذلك تجاوزًا.
المعضلة أن النظام الدولي لا يمتلك سلطة تنفيذية قادرة على فرض قراراته على القوى الكبرى إذا رفضتها.

الخلاصة
المشكلة ليست في دولة بعينها، بل في خلل بنيوي أعمق.
حين يتجاوز الأقوياء مجلس الأمن، تتآكل الثقة في النظام الدولي.
وحين يُشلّ المجلس بفعل الفيتو، يفقد قدرته على منع التصعيد.
العالم اليوم تحكمه نصوص قانونية في الظاهر…
لكن في العمق تديره موازين القوى.
وإلى أن يُعاد إصلاح بنية الشرعية الدولية بحيث تصبح أكثر تمثيلًا وعدالة وفاعلية، ستبقى العلاقة بين القانون والقوة علاقة توتر دائم، وسيظل مجلس الأمن ساحة تجاذب سياسي أكثر منه مرجعية حاسمة.
والدرس الأهم:
غياب التطبيق المتوازن للقانون الدولي لا يحقق استقرارًا طويل الأمد… بل يؤجل أزمات أكبر في المستقبل.