صوت عدن 
الرباط - رويترز:

 يستعد المغرب لإجراء انتخابات تشريعية هذا الأسبوع لانتخاب 395 عضوا في مجلس النواب، وسط أجواء انتخابية هادئة نسبيا، مع انتقال جزء متزايد من الحملات الانتخابية إلى الفضاء الرقمي مقارنة بانتخابات 2021.

ويتنافس 27 حزبا سياسيا في الانتخابات التي تأتي، بحسب محللين، في سياق اقتصادي واجتماعي ضاغط يفرض على الأحزاب تقديم إجابات مقنعة بشأن البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة، في ظل ​تراجع ثقة شريحة من الناخبين في العمل السياسي واستمرار العزوف الانتخابي.

وقال أحمد سالمي (42 عاما) وهو بائع في أحد المحلات "لم أصوت في حياتي ولن أصوت في هذا البلد.. هل ‌يتذكرون حق المواطن فقط عند عملية التصويت؟". 

وأضاف "لست متشائما لكن عندي يقين أن صناديق الاقتراع لن تجلب التغيير والديمقراطية في بلدان ليس لها تاريخ أوأسس ديمقراطية حقيقية، ما دام المواطن خارج حسابات هذه الحكومة، وموجود فقط إذا كان سيدفع ضرائب ويستغل أو يصوت ليمثل مظاهر الديمقراطية.. فسأحتفظ بصوتي لنفسي".

ويرى محمد الغواطي، أستاذ القانون العام والعلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن الانتخابات قد تستجيب لجزء من تطلعات المواطنين، لكنها "لا تستطيع بمفردها حل جميع الإشكالات الاجتماعية والاقتصادية المتراكمة".

وأضاف لرويترز "صناديق الاقتراع ​تنتج مجالس منتخبة وتمنح تفويضا سياسيا، أما تحويل هذا التفويض إلى نتائج ملموسة فيتطلب سياسات عمومية فعالة، وموارد مالية، وحكامة جيدة، ومن هنا فإن التحدي أمام انتخابات 2026 لا يتمثل ​فقط في تشكيل أغلبية حكومية، بل في إعادة بناء علاقة الثقة بين المواطن والمؤسسات عبر نتائج قابلة للقياس".

وتظل هذه الثقة موضع تساؤل في ظل ⁠استمرار ضعف المشاركة الانتخابية. وأشار تقرير أصدره المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة في يونيو حزيران الماضي إلى تراجع الإقبال على التصويت، موضحا أن نسبة المشاركة الرسمية في انتخابات 2021 بلغت 50.35 بالمئة بين ​الناخبين المسجلين، فيما بقيت شريحة واسعة من المواطنين المؤهلين للتصويت خارج العملية الانتخابية.

وقال الغواطي إن الأمر لا يتعلق فقط بالعزوف عن التصويت، بل يطرح أسئلة أعمق بشأن علاقة المواطنين بالأحزاب والمؤسسات المنتخبة وجدوى المشاركة ​السياسية.

واعتبر أن "الرسالة التي ينبغي أن تلتقطها الأحزاب ليست فقط كيف نقنع المواطن بالتصويت، بل أيضا لماذا فقد جزء من المواطنين الرغبة في المشاركة، وما ينبغي تغييره لاستعادة هذه الثقة؟".

* "الصمت هو الفائز"

يقول الباحث في العلوم السياسية محمد شهبي إن التقرير الذي أصدره المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية يكشف أن "الفائز الحقيقي في الانتخابات المغربية ليس حزبا ولا أيديولوجية، بل الصمت"، مشيرا إلى أن "16 مليون مغربي ومغربية قرروا ألا يشاركوا في اللعبة الديمقراطية".

ويرى شهبي أن التقلب الحاد في نتائج الأحزاب بين ​دورة وأخرى، مثل تراجع حزب العدالة والتنمية من 125 مقعدا عام 2016 إلى 13 مقعدا عام 2021 "يعكس نزعة للتصويت العقابي أكثر من كونه تأييدا لبرامج سياسية مستقرة".

وأضاف أن الناخبين "لم يعودوا يصوتون من أجل ​مشروع سياسي بقدر ما يصوتون ضد الحزب الحاكم"، وهو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى زيادة العزوف.

* الاقتصاد في قلب المعركة الانتخابية

وبالنسة لشهبي لا يمكن الحديث عن السياسة في المغرب دون الحديث عن الاقتصاد ومتاعبه.
ويتابع "جيل كامل يكافح ‌من أجل إيجاد ⁠مكانه، يرى المصعد الاجتماعي معطلا، ويتساءل عن جدوى الدراسة إذا كانت النهاية هي البطالة..هذا الجيل نفسه لا يهتم بالسياسة، فحين تقضي أيامك تكافح من أجل البقاء، من أجل إيجاد عمل ودفع الإيجار.. فإن الشأن العام يأتي في المرتبة الثانية".

ووفقا للبيانات الرسمية، بلغ معدل البطالة في المغرب في الربع الثاني من 2026 نحو 9.5 بالمئة، بينما تجاوز 27 بالمئة بين الشبان الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاما، وهي فئة تواجه صعوبة في الاندماج بسوق العمل وتبدي اهتماما أقل بالشأن السياسي.

ويقول زهير السعيدي (29 عاما) وهو عاطل عن العمل "لست مسجلا في اللوائح الانتخابية ولا أنوي مطلقا أن أتسجل أو أشارك يوما ما".

ويرى المحلل الاقتصادي ​أمين سامي أن صعوبة الحصول على عمل ودخل ​مستقر تجعل كثيرا من الوعود الانتخابية بعيدة ⁠عن الواقع بالنسبة للشباب.

وأوضح أن مدى اقتناع الشباب بقدرة المؤسسات المنتخبة على تحسين ظروفهم المعيشية وتوفير فرص العمل يظل عاملا حاسما، بينما ترتبط مصداقية البرامج الانتخابية بوضوح أهدافها وإمكانية تنفيذها ومصادر تمويلها.

وأضاف "استعادة الثقة تتطلب أن يكون للشباب دور فعلي في إعداد السياسات وتحمل المسؤولية، وأن يستطيع المواطن متابعة تنفيذ الوعود ومحاسبة ​المنتخبين".

* منافسة الأحزاب

قال رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، الرئيس السابق لحزب التجمع الوطني للأحرار، إن حزبه يسعى إلى تحقيق الفوز في الانتخابات المقررة في ​23 سبتمبر أيلول.

ودافع أخنوش، خلال ⁠فعاليات الحملة الانتخابية، عن منجزات حكومته، معتبرا أن السنوات الخمس الماضية اتسمت بتحديات كبيرة، لكن الحكومة تمكنت من الوفاء بعدد من التزاماتها.

وفي المقابل، شكل انضمام فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، إلى حزب الأصالة والمعاصرة أحد أبرز تطورات الحملة الانتخابية.

وحزب الأصالة والمعاصرة تأسس في 2008 باندماج خمسة أحزاب مغربية، ويعتبر أكبر حزب مشارك في الحكومة، لكنه لم يحظ بعد بقيادة الحكومة.

وذهبت بعض القراءات السياسية إلى ⁠أن هذه الخطوة ​قد تعزز حظوظ الحزب في تصدر الانتخابات، بما قد يؤهله لقيادة الحكومة إذ يختار العاهل المغربي رئيس الحكومة من ​الحزب المتصدر للانتخابات. غير أن لقجع نفى هذه التكهنات، في حين زاد قراره عدم الترشح للانتخابات من الجدل حول مستقبله السياسي.

في المقابل، دعت جماعة العدل والإحسان وحزب النهج الديمقراطي العمالي إلى مقاطعة الانتخابات، معتبرين أن شروط المنافسة الديمقراطية وضمانات الحريات العامة لا ​تزال غير كافية.

وقال بيان لجماعة العدل والإحسان إن الانتخابات "في صيغتها الحالية لم تستطع أن تنقل المغرب إلى أفق الديمقراطية والحرية والعدل"، وإنها أسهمت في اتساع العزوف الشعبي عن المشاركة السياسية.