التصعيد العسكري بين الشرعية اليمنية و"أنصار الله".. ضغوط جديدة تواجه الإقتصاد وتهدد معيشة المواطنين
صوت عدن / وكالات :
يأتي التصعيد العسكري في اليمن في ظل أوضاع اقتصادية ومعيشية صعبة، مع تراجع الإيرادات الحكومية واستمرار توقف صادرات النفط، ويحذر اقتصاديون وسياسيون من انعكاسات مباشرة على الأسعار والعملة والخدمات وحركة التجارة في الجنوب.
ويرى مراقبون أن أي تصعيد عسكري جديد بين جماعة الحوثيين (أنصار الله) والحكومة الشرعية والرياض لن يقتصر تأثيره على الجانب العسكري، بل سيمتد إلى الاقتصاد وحياة المواطنين، في ظل هشاشة الوضع المالي وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف الخدمات والسلع.
ويحذر المراقبون من أن استمرار التصعيد قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الغذاء والوقود، وزيادة تكاليف النقل والتأمين والشحن، إلى جانب ضغوط إضافية على سعر الصرف والاستثمار والنشاط التجاري، ما قد يفاقم معدلات الفقر والبطالة في المحافظات الجنوبية.
ويبقى التساؤل: إلى أي مدى تستطيع الحكومة اليمنية مواجهة التداعيات الاقتصادية لأي تصعيد عسكري جديد، في ظل تراجع الإيرادات وتوقف الصادرات النفطية؟ وهل يدفع استمرار المواجهات الجنوب إلى أزمة معيشية واقتصادية أكثر حدة؟
انكماش الاقتصاد
بداية يقول الدكتور محمد جمال الشعيبي، أستاذ المالية العامة بجامعة عدن في اليمن، إن أحدث بيانات البنك الدولي تشير إلى انكماش الاقتصاد اليمني بنسبة 1.5% خلال عام 2025، متوقعا تجدد الانكماش مع تسارع الأحداث منذ بداية عام 2026، نتيجة التراجع الحاد في الإيرادات الحكومية.
وأوضح في حديثه لـ"سبوتنيك" أن استمرار توقف الصادرات النفطية منذ عام 2022 حرم الحكومة من أهم مصادر العملة الأجنبية والإيرادات العامة، مشيرا إلى أن الإعلان الحكومي مؤخرا عن استئناف التصدير لم يثبت على أرض الواقع حتى الآن.
وأشار إلى أن دخول الجنوب في موجة التصعيد الحالية يرتبط بفقدان الحكومة أهم مصدر للعملة الأجنبية والإيرادات العامة، ما دفع المالية العامة إلى الاعتماد بدرجة أكبر على الضرائب والجمارك والمنح والدعم الخارجي.
وأضاف أن أي جولة تصعيد عسكري تصبح أكثر خطورة في ظل هذه الظروف، لأن الحكومة لا تملك احتياطيا ماليا كافيا لتمويل الحرب، وفي الوقت نفسه الوفاء بالرواتب وتكاليف الكهرباء والوقود والخدمات العامة.
وأكد أن التصعيد الأخير سينعكس بشكل مباشر على ارتفاع الأسعار، خصوصا أن اليمن تعتمد شبه كليا على الواردات، في وقت لا تزال فيه مصادر العملة الأجنبية محدودة، موضحا أن التصعيد سيزيد الطلب على الدولار والريال السعودي.
ولفت إلى أن جزءا من رؤوس الأموال قد ينتقل من النشاط التجاري إلى العملات الصعبة، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف النقل والتأمين والشحن، وهو ما قد يضغط على الريال ويعيد معدلات التضخم.
وأضاف أن ذلك قد يحدث رغم تمكن البنك المركزي في العاصمة عدن من تحقيق استقرار مؤقت للعملة خلال فترات سابقة، بدعم من الإجراءات النقدية والتدفقات الخارجية.
الكهرباء والوقود
وأوضح الشعيبي أن المحافظات الجنوبية المحررة تعاني أزمة مزمنة في الكهرباء والوقود، وهما من أكثر القطاعات تأثرا بالتصعيد، مشيرا إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يجعل الكهرباء مسألة اقتصادية واجتماعية، وليست مجرد خدمة عامة.
وقال إن ضعف الإيرادات الحكومية سيضع الحكومة أمام خيارين، كلاهما صعب، أولهما زيادة أسعار الكهرباء والوقود، وهو ما تحاول الحكومة القيام به حاليا من خلال رفع سعر وحدات الاستهلاك إلى 700 ريال للوحدة، مقارنة بنحو 19 ريالا حاليا.
وأشار إلى أن أسعار الوقود شهدت بالفعل زيادات منذ بداية أزمة مضيق هرمز، موضحا أن الخيار الثاني يتمثل في زيادة الدعم والإنفاق العام، وهو أمر لا تسمح به أوضاع المالية العامة بسهولة.
وأكد أن المواطن قد يدفع ثمن التصعيد مرتين، من خلال انقطاع الخدمة من جهة وارتفاع تكلفتها من جهة أخرى.
وأوضح أستاذ المالية العامة بجامعة عدن أن التصعيد يفرض خطرا إضافيا على النشاط التجاري، خصوصا أن التاجر يعمل أصلا في بيئة شديدة المخاطر، موضحا أن ارتفاع مستوى التصعيد يعني زيادة تكلفة المخاطر المرتبطة بالسلع.
وتابع أن هذه المخاطر تشمل النقل البحري والبري والتأمين والشحن، ما قد يؤدي إلى إغلاق بعض المشروعات الصغيرة والمتوسطة، خصوصا في ظل ضعف الطلب المحلي.
الأثر الاجتماعي
ونوه الشعيبي إلى أن التأثير الاجتماعي للتصعيد سيكون أسرع من تأثيره على الناتج المحلي، إذ قد لا يظهر أثره فورا في مؤشرات الناتج، لكنه سينعكس سريعا على حياة المواطنين من خلال ارتفاع أسعار الغذاء وأجور النقل وتراجع مستوى الخدمات.
ولفت إلى أن تراجع القدرة الشرائية للرواتب سيؤدي بدوره إلى زيادة البطالة واتساع رقعة الفقر والجوع المرتفعة أصلا، مؤكدا أن أي صدمة خارجية تنتقل بسرعة إلى أسعار الغذاء ومستوى معيشة الأسر.
وقال الشعيبي إن التصعيد قد يخلق مشكلة مالية أكثر خطورة للحكومة، تتمثل في انخفاض الإيرادات مقابل ارتفاع النفقات، ما يؤدي إلى اتساع العجز المالي.
واستطرد أن التصعيد قد يكون أكثر تأثيرا على الجانب المالي للحكومة من كونه مجرد تكلفة عسكرية إضافية، مشيرا إلى أن هذه التداعيات قد تحدث حتى من دون انهيار عسكري واسع.
وأوضح أن مجرد استمرار التوتر وارتفاع المخاطر يكفي لإضعاف التجارة والاستثمار وسعر الصرف والمالية العامة، نتيجة استمرار تراجع الإيرادات الحكومية.
واختتم الشعيبي بالقول إن المشكلة الاقتصادية في الجنوب لا تتمثل فقط في أن الحرب ستكلف أموالا إضافية، وإنما في أن استمرارها قد يستنزف ما تبقى من القدرة الاقتصادية على الصمود.
انعكاسات مباشرة
من جانبه، يقول الأمين العام المساعد لمجلس الحراك الوطني الجنوبي في اليمن، سامي العدني، إن أي تصعيد عسكري جديد بين جماعة "الحوثيين" (أنصار الله) والحكومة الشرعية والرياض ستكون له انعكاسات مباشرة على الأوضاع المعيشية والاقتصادية في الجنوب، خصوصا أن المواطن في المحافظات الجنوبية يعيش أصلا ظروفا اقتصادية صعبة نتيجة تراجع القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات.
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك" أن تأثير التصعيد لا يتوقف عند المواجهات العسكرية، بل يمتد إلى حركة التجارة والنقل والاستيراد وأسعار الوقود والمواد الغذائية، موضحا أن أي اضطراب في خطوط الإمداد أو الموانئ والطرق سينعكس سريعا على الأسواق وحياة المواطنين.
وأشار العدني إلى أن الجنوب بحاجة إلى الاستقرار حتى يتمكن من استعادة نشاطه الاقتصادي والاستفادة من موقعه وموانئه وموارده، لافتا إلى أن أي توتر طويل الأمد سيضعف فرص الاستثمار ويزيد حالة عدم اليقين لدى القطاع التجاري.
وأوضح أن هذا الوضع يعني في النهاية مزيدا من الضغوط على المواطن، خصوصا في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي تشهدها المحافظات الجنوبية.
الجبهات والاقتصاد
وأكد العدني أن الخطر الأكبر يتمثل في تحول التصعيد العسكري إلى أزمة اقتصادية ومعيشية ممتدة، لأن المواطنين في الجنوب لا يستطيعون تحمل موجة جديدة من ارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات وانخفاض قيمة العملة.
وشدد الأمين العام المساعد لمجلس الحراك الوطني الجنوبي في اليمن على أن احتواء التصعيد والحفاظ على حركة التجارة والموانئ والخدمات الأساسية يجب أن تكون أولوية، بعيدا عن الحسابات العسكرية والسياسية.
وقال العدني إن الجنوب لن يكون بمنأى عن أي تطورات عسكرية واسعة في اليمن أو المنطقة، لكن حجم التأثير سيعتمد على مدى اتساع التصعيد ومدته، وقدرة الأطراف المعنية على منع انتقال المواجهة من الميدان العسكري إلى الاقتصاد وحياة الناس اليومية.
