الحرب تعيد الزمن إلى الوراء... أفران الحطب تشتعل مجدداً في الخرطوم
صوت عدن | الخرطوم - خالد فتحي:
لم تكن الحرب في السودان سبباً في تعطيل الخدمات وارتفاع الأسعار فحسب، بل امتدت آثارها إلى أكثر تفاصيل الحياة اليومية التصاقاً بالمواطنين: رغيف الخبز.
وفي مشهد يعكس حجم التحولات التي فرضتها الأزمة، عادت عشرات المخابز في الخرطوم وأم درمان وبحري إلى استخدام الحطب بعد سنوات من التخلي عنه، مع تصاعد أزمة الكهرباء وارتفاع أسعار غاز الطهي إلى مستويات غير مسبوقة.
ويعكس هذا التحول، الذي فرضته الضرورة أكثر من كونه خياراً، حجم الضغوط التي تواجه قطاع المخابز، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية للمواطنين وتتزايد صعوبة توفير السلع الأساسية.

🔹الحطب... خيار اضطراري لا بديل دائم
يقول عصام عكاشة، الناطق الرسمي باسم تجمع المخابز، إن العودة إلى الحطب لم تكن خياراً مفضلاً، وإنما فرضتها أزمة الطاقة التي تعيشها البلاد، موضحاً لـ"العربية.نت" و"الحدث"، أن الحطب لا يمثل بديلاً كاملاً للكهرباء، لأن العجانات وخطوط الإنتاج والمعدات الأساسية لا تزال تعتمد بصورة رئيسية على التيار الكهربائي، بينما يقتصر استخدامه على تشغيل الأفران.
ويضيف أن استمرار انقطاع الكهرباء، إلى جانب الارتفاع الحاد في أسعار الغاز، وضع أصحاب المخابز أمام خيارات محدودة، كان أبرزها إعادة تشغيل الأفران التقليدية لضمان استمرار إنتاج الخبز.
🔹تكاليف تشتعل... والغاز يغادر المخابز
ويكشف عكاشة عن قفزة كبيرة في تكاليف الإنتاج، إذ ارتفع سعر قنطار الحطب خلال أقل من ثلاثة أشهر من نحو 2.7 دولار (16 ألف جنيه سوداني) إلى ما بين 6.7 و7.5 دولار (40 إلى 45 ألف جنيه سوداني)، فيما بلغ سعر الخميرة نحو 28.3 دولار (170 ألف جنيه سوداني)، بالتزامن مع زيادات متلاحقة في بقية مدخلات الإنتاج.
كما تجاوز سعر أسطوانة الغاز، سعة 12.5 كيلوجرام، 16.7 دولار (100 ألف جنيه سوداني) في بعض المناطق، الأمر الذي جعل تشغيل الأفران بالغاز عبئا ماليا ثقيلا على أصحاب المخابز.
ومن جانبه، يؤكد عماد الدين حمد، أحد أصحاب المخابز في مدينة أم درمان، أن الحطب أصبح أقل كلفة من الغاز، مضيفاً لـ"العربية.نت" و"الحدث"، أن الخبز المنتج به يحافظ على جودة يفضلها كثير من الزبائن.
ويقول: "الحطب كويس... خير من الغاز، وأرخص، وحتى جودة العيش بتكون كويسة بالحطب".
فيما يؤكد مواطنون أن همهم الأول أصبح توفير الرغيف، بصرف النظر عن الوقود المستخدم في إنتاجه.
وتكشف تجربة علي البدوي، صاحب أحد المخابز في منطقة الكلاكلة جنوب الخرطوم، حجم التحول الدراماتيكي الذي فرضته الحرب على واحدة من أقدم المهن المرتبطة بالحياة اليومية للسودانيين.
ويقول البدوي، الذي يعمل في صناعة الخبز منذ أكثر من 20 عاماً لـ"العربية.نت" و"الحدث"، إن مخبزه كان يستهلك قبل اندلاع الحرب نحو 40 جوالاً من الدقيق يومياً، وكان الجوال الواحد ينتج قرابة 1500 قطعة خبز، قبل أن تنهار الطاقة الإنتاجية تحت وطأة أزمة الكهرباء وشح الغاز.
ويضيف: "قبل الحرب كنا نعمل بطاقتنا الكاملة، أما اليوم فلا يتجاوز متوسط إنتاجنا نحو ألفي قطعة خبز يومياً، وفي بعض الأيام يهبط الإنتاج إلى نحو 500 قطعة فقط.. العقبة الرئيسية هي الانقطاع المستمر للكهرباء وعدم توفر الغاز، ما اضطرنا إلى إعادة تشغيل الأفران التقليدية التي تعمل بالحطب.. إنها أبطأ كثيراً، كما أن قدرتها الإنتاجية أقل من الأفران الحديثة".
وتعكس شهادة البدوي جانباً من التحولات العميقة التي أصابت قطاع المخابز، إذ لم تعد الأزمة تقتصر على الارتفاع الكبير في أسعار الدقيق والغاز، بل امتدت إلى تراجع الإنتاج بصورة غير مسبوقة، في وقت يتزايد فيه الطلب على الخبز بوصفه السلعة الغذائية الأساسية لملايين السودانيين.
🔹الرغيف في مواجهة الغابة
غير أن التحول إلى الحطب يفتح باباً لمخاوف بيئية متزايدة، مع ارتفاع الطلب على الأخشاب بوصفها مصدراً للطاقة.
وتعزز هذه المخاوف تقارير حكومية صادرة في مايو (أيار) الماضي، كشفت أن السودان خسر نحو ربع مليون هكتار من غاباته بفعل تداعيات الحرب، نتيجة التوسع في قطع الأشجار لإنتاج الحطب والفحم، إلى جانب تراجع الرقابة على الموارد الطبيعية في مناطق واسعة من البلاد.
ويرى مختصون أن استمرار الاعتماد على الحطب، إذا اتسع نطاقه، قد يضاعف الضغوط على الغطاء النباتي، ما لم تُوفَّر بدائل للطاقة وتُفعَّل إجراءات تحد من القطع الجائر للأشجار.
🔹الحرب تغيّر تفاصيل الحياة
ولا تبدو عودة الحطب إلى المخابز مجرد تبدل في نوع الوقود، بل تعكس تحولات أعمق فرضتها الحرب على الاقتصاد والحياة اليومية. فالرغيف، الذي ظل لعقود رمزاً للاستقرار المعيشي، أصبح اليوم شاهداً على أزمة طاقة متفاقمة، وارتفاع غير مسبوق في تكاليف الإنتاج، وضغوط بيئية متزايدة.
وبين أفران عادت إلى العمل بالحطب، وغابات تدفع ثمن أزمة الطاقة، تتجسد واحدة من أكثر مفارقات الحرب قسوة: فكلما ضاقت خيارات الحاضر، وجد السودانيون أنفسهم مضطرين إلى استدعاء أدوات الماضي لضمان استمرار أبسط مقومات الحياة.. رغيف الخبز.
