الحُجَرِيّة… من الدفاع عن الجمهورية إلى مواجهة الإمامة.
ذات مرة، بعد اتفاق الوحدة اليمنية عام 1990م، دار بيني وبين الملحق الثقافي الروسي حديث عن منطقة الحُجَرِيّة. قال لي إنه يريد إعداد دراسة عنها. سألته: لماذا الحُجَرِيّة تحديدًا؟
أجابني بأن هذه المنطقة تستحق دراسة معمقة، نظرًا إلى حجم تأثيرها في مسار التاريخ اليمني. فهي، بحسب قراءته، من المناطق التي صمدت ودافعت عن النظام الجمهوري وقدمت تضحيات كبيرة في سبيله، وكان لأبنائها دور في ثورة الرابع عشر من أكتوبر، وفي إقامة الدولة بعد الاستقلال، كما كان لهم إسهام في تحقيق الوحدة اليمنية. وأضاف أن معظم الأحزاب الوطنية اليمنية لها حضور في الحُجَرِيّة، وأن أبناءها يتوزعون على مختلف التيارات الفكرية والسياسية، من دون أن تمنعهم اختلافاتهم من العيش المشترك.
لقد توقفت طويلًا عند تلك الشهادة، الصادرة عن رجل ينظر إلى اليمن من خارج حساباته السياسية المحلية، ويحاول فهمه من خلال تاريخه الاجتماعي والسياسي.
واليوم، لو أتيح لي أن ألتقي ذلك الملحق الثقافي الروسي مجددًا، لقلت له: تذكر حديثنا عن الحُجَرِيّة؟ انظر إليها اليوم، وانظر إلى ما يمكن أن تفعله في مواجهة المشروع الحوثي الذي تمدد إلى مناطقها.
إنني أراهن على ذاكرة هذه الأرض، وعلى إرث أبنائها الجمهوري والنضالي، وعلى قدرتهم على تجاوز خلافاتهم حين يصبح مصير الوطن مهددًا. فالحُجَرِيّة التي أسهمت في الدفاع عن الجمهورية، وشاركت في معارك التحرر الوطني وبناء الدولة، ليست مجرد رقعة جغرافية في تعز؛ إنها جزء من تاريخ الحركة الوطنية اليمنية، ومن الذاكرة التي لا يمكن فصلها عن الصراع من أجل الدولة والمواطنة.
ولذلك، فإن رهاني اليوم أن تتحول الحُجَرِيّة إلى مقبرة للمشروع الحوثي، لا بمعنى الانتقام أو استهداف الناس، وإنما بمعنى إسقاط مشروع العودة إلى حكم السلالة، وإنهاء سلطة السلاح، واستعادة الدولة الجمهورية التي ناضل اليمنيون من أجلها.
فالحُجَرِيّة التي دافعت بالأمس عن الجمهورية، قادرة اليوم على أن تجعل من أرضها محطة لنهاية المشروع الإمامي، وبداية استعادة اليمن جمهوريته ودولته.