بعد 64 عاماً، لا تزال ثورة السادس والعشرين من سبتمبر حاضرة في وجدان اليمنيين، ليس لأنها اسقطت نظام الإمامة فحسب، وإنما لأنها نقلت اليمن الى فكرة الجمهورية، وفتحت الطريق امام الدولة والمواطنة والمساواة. ولهذا لم تتحول الثورة الى ذكرى من الماضي؛ فالمعركة التي بدأت في 1962 حول شكل الدولة وهوية الحكم، ما تزال حاضرة في اليمن حتى اليوم.

وفي هذه المناسبة، لا بد أن نتوقف أمام سؤالين لا يمكن تجاوزهما: الى أي مدى حققت الثورة اهدافها، وماذا فعلنا نحن بالجمهورية التي انتصرت من اجلها؟

هنا تبدأ المراجعة الحقيقية. فقد استنزفت الصراعات الداخلية طويلاً طاقة الدولة والمجتمع، وتأخر بناء دولة مدنية حديثة تترسخ فيها المواطنة وسيادة القانون، ولم تحدث التحولات العميقة في البناء الاقتصادي والاجتماعي التي كان يمكن أن تنقل اليمن من دوائر الفقر والتخلف الى مسار اكثر استقراراً وتنمية. ومع تراكم هذه الاختلالات وضعف مؤسسات الدولة، اتسعت مساحات الضعف التي استطاع المشروع الإمامي الجديد استغلالها للتوسع واختراق المجتمع ومؤسسات الدولة.

وفي خضم ذلك، لم تكن إيران بعيدة عن المشهد؛ فقد تطور دعمها لجماعة الحوثي الى اسناد عسكري وتقني عزز قدراتها، وحول الجماعة الى قوة قادرة على تهديد الدولة اليمنية، وأمن الإقليم والملاحة الدولية. ولم يعد هذا الخطر محصوراً داخل الحدود اليمنية؛ فالتصعيد الأخير امتد الى الساحل الغربي وباب المندب.

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: ثورة سبتمبر اسقطت الإمامة، لكن الجمهورية لم تستكمل بناء الدولة التي تحمي انتصارها. واليوم يحاول الحوثيون إعادة انتاج المشروع الإمامي بصيغة جديدة، تقوم على إعادة الاعتبار لمنطق السلالة والتمييز واحتكار القوة والقرار، تحت سلطة الأمر الواقع والمليشيا.

ولذلك فإن الدفاع عن سبتمبر لا يعني الدفاع عن كل ما جرى باسم الجمهورية، ولا التغاضي عن اخطائها واخفاقاتها؛ بل يعني امتلاك الشجاعة لمراجعتها وتصحيح مسارها. فالجمهورية التي تستحقها ثورة سبتمبر هي دولة مؤسسات، ومواطنة متساوية، وعدالة، وتنمية، واقتصاد منتج، وقرار وطني قادر على حماية الدولة من الاختراقات الداخلية والخارجية.

لا شك أن اهمال بناء الدولة ليس خطأً سياسياً عابراً، وأن الاقتصاد والمجتمع جزء من منظومة الأمن الوطني. فالحرب اضعفت الاقتصاد اليمني بصورة غير مسبوقة؛ إذ انخفض الناتج المحلي الحقيقي للفرد بنسبة 58% منذ 2015، واصبح اكثر من ثلاثة أرباع السكان يعيشون تحت خط الفقر وفق احدث بيانات البنك الدولي، في ظل تدهور شديد ونقص واسع في الخدمات الأساسية.

ومن هنا، فإن استعادة الجمهورية لا تكون بالحنين الى الماضي، وإنما ببناء الدولة التي تأخر بناؤها؛ دولة مدنية حديثة، قوية بمؤسساتها، عادلة في مواطنتها، منتجة في اقتصادها، وقادرة على حماية قرارها الوطني.

وعليه، فإن الوفاء لثورة سبتمبر لا يكون بترديد شعاراتها، وإنما باستعادة جوهرها: دولة المواطنة والقانون، لا دولة السلالة والمليشيا.

فالثورة لم تفقد بوصلتها، ولم تفقد أهدافها؛ لكن الذي يحتاج الى استعادة البوصلة هو الجمهورية نفسها. وحين تستعيد الجمهورية بوصلتها، يصبح السادس والعشرون من سبتمبر ليس مجرد يوم في التقويم، بل مشروع دولة لم يكتمل بعد.