جبل كهبوب.. ما نعرفه عن الحصن الجنوبي لباب المندب
صوت عدن
العربي الجديد/ فخر العزب:
تتصدر جبهة جبل كهبوب، جنوب غربي اليمن، واجهة التطورات الميدانية المحتدمة بين قوات الحكومة المعترف بها دولياً وجماعة الحوثيين، مع بلوغ التصعيد العسكري ذروته إثر إعلان قوات العمالقة، فجر اليوم الاثنين، تمكنها من تدمير خمس مركبات عسكرية تابعة للجماعة، بينها سيارة كانت تقل قيادياً ميدانياً بارزاً، وأخرى مزودة برشاش عيار 23 مليمتراً، مؤكدة مقتل جميع أفراد طواقم تلك الآليات المستهدفة. وجاء هذا التطور الميداني مصحوباً بمشاهد مصورة نشرها المركز الإعلامي للقوات لتوثيق عمليات الاستهداف، وذلك بعد ساعات قليلة من الإعلان عن إسقاط طائرة مسيّرة حوثية في الجبهة ذاتها.
ويعيد هذا التصعيد تسليط الضوء على سلسلة جبال كهبوب، التي تختزل في ارتفاعاتها الشاهقة معادلات الجغرافيا والسياسة معاً، إذ تطل الجبهة الاستراتيجية المتاخمة لمضيق باب المندب، بوصفها أحد أكثر خطوط التماس حساسية واشتعالاً على خريطة الصراع. ولا تقتصر الأهمية البالغة لهذا الحصن الجبلي على كونه نقطة مراقبة طبيعية تتيح التحكم الناري بمسارات الملاحة الدولية في جنوب البحر الأحمر فحسب، بل يتحول اليوم إلى بؤرة صراع مشتعلة تتأجج مع محاولات الحوثيين المستميتة لإحكام السيطرة عليه، في مواجهة استباقية شرسة تقودها ألوية العمالقة. وترسم هذه المواجهات المتسارعة ملامح معركة استنزاف تحدد نطاق النفوذ حول البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، وتضع مستقبل الموانئ والملاحة الدولية على صفيح ساخن.
ويفرض جبل كهبوب نفسه بفضل موقعه الجغرافي بالغ الأهمية، إذ يتحكم بدقة في مسرح العمليات في أقصى الجنوب الغربي لليمن. إدارياً، يقع الجبل الاستراتيجي ضمن نطاق مديرية المضاربة ورأس العارة التابعة لمحافظة لحج، ليشكل السور الجبلي الأبرز والأكثر وعورة في الخاصرة الجنوبية الغربية للبلاد. أما من الناحية الطبوغرافية والحدودية، فيمتد النطاق الجغرافي لكهبوب في منطقة بالغة الحساسية، إذ يجثم كحارس لصيق بالشريط الساحلي والسواحل الاستراتيجية المطلة مباشرة على مضيق باب المندب، ليمثل نقطة وصل تربط بين خطوط الساحل البحرية المفتوحة ونتوءات المرتفعات الداخلية للبلاد، وهو ما يمنح أي طرف يسيطر عليه تحكماً مضاعفاً في حركة الانتقال والمناورة بين البر والبحر.
عسكرياً، تتجاوز أهمية جبل كهبوب مجرد كونه مرتفعاً صخرياً، ليتحول إلى ركيزة تكتيكية واستراتيجية تمثل عامل حسم في مسرح العمليات، بفضل ميزتين رئيسيتين: التحكم الناري والعمق الدفاعي. فعلى صعيد التحكم الناري، يرتفع الجبل ليشكل "برج مراقبة" طبيعياً وشاهقاً، تتيح تضاريسه المشرفة للعين والمناظير رصد التحركات العسكرية والبحرية في مياه مضيق باب المندب والجزء الجنوبي من البحر الأحمر بدقة متناهية، فضلاً عن توفير قاعدة إسناد ناري مدفعي وصاروخي تحكم السيطرة على المساحات المحيطة بلا منازع. أما من ناحية العمق الدفاعي، فإن السيطرة على كهبوب تمنح القوة الممسكة بزمامه ميزة مضاعفة، إذ تحصن الساحل وتؤمنه ضد أي اختراقات مفاجئة، وتشكل قاطعاً نارياً وجغرافياً يحبط محاولات قطع خطوط الإمداد أو تأمينها، عازلة بذلك ارتباط البر بالبحر، ومحولة الجبل إلى خط دفاع أخير لا يمكن تجاوزه. وإلى جانب ذلك، يوفر الموقع الاستراتيجي للجبل حماية بالغة وتأميناً حيوياً للعاصمة المؤقتة عدن والمحافظات الجنوبية عموماً، نظراً إلى إشرافه المباشر على الخط الساحلي الإستراتيجي الواصل بين عدن وباب المندب والمخا، ليغدو بذلك الحارس المتقدم لبوابة الجنوب.
ميدانياً، تتأرجح جبهة جبل كهبوب باستمرار بين جولات من الهدوء الحذر واشتباكات متقطعة تتسم بالشراسة بين الحوثيين وقوات العمالقة، التي تمثل خط الصد الأول، وتتحول فيها التضاريس الجبلية الوعرة والمسالك الصخرية المعقدة إلى بيئة مثالية لحرب استنزاف طويلة الأمد. وتفرض هذه الطبيعة الجغرافية القاسية إيقاعاً خاصاً للقتال، إذ تنحصر المواجهات غالباً في عمليات القنص، وتبادل القصف المدفعي، وإحباط التسللات. وفي خريطة التمركزات، تحكم قوات العمالقة سيطرتها على قمم الجبل ومواقع الإشراف العليا، بينما يتمركز مقاتلو الحوثيين في السفوح والمحيط والوديان المجاورة، محاولين باستمرار استغلال التعرجات الجغرافية لتحقيق مكاسب ميدانية تمكنهم من السيطرة على الجبل، غير أن جميع محاولاتهم تبوء بالفشل حتى الآن. وتتركز النقاط الأكثر سخونة في محيط السفوح الشمالية والغربية، إذ تسعى المجموعات الحوثية إلى إيجاد موطئ قدم دائم يكسر الطوق المفروض عليها، في مقابل رصد دقيق واستباق ناري مستمر من قوات العمالقة، التي تتعامل بحزم مع أي تحركات مشبوهة، كما جرى أخيراً في عمليات الاستهداف المباشر لآليات الحوثيين وقياداتهم الميدانية.
وراء الشراسة المستمرة التي يبديها الحوثيون للسيطرة على جبل كهبوب، تقف حسابات استراتيجية وسياسية بالغة الأهمية تتجاوز تفاصيل المعركة الميدانية المحلية. فمن جهة، يمثل الجبل بالنسبة إلى الجماعة ورقة ضغط جيوسياسية كبرى، إذ يمنحها الإشراف المباشر على بوابة باب المندب قدرة فائقة على التأثير والتهديد المستمر لأمن الملاحة الدولية وحركة التجارة العالمية في البحر الأحمر، وهي ورقة نفوذ استراتيجية تحرص على تعزيزها لتحسين شروطها التفاوضية في أي مسارات تسوية مقبلة. ومن جهة أخرى، يأتي هذا الحرص في سياق مساعيها الحثيثة لتأمين الخاصرة الاستراتيجية لجبهاتها الساحلية الممتدة من موانئ الحديدة وصولاً إلى مشارف باب المندب، إذ يخشى الحوثيون أن تنتزع القوات المناهضة لهم هذا الحصن المرتفع، ليتحول إلى قاعدة انطلاق وتهديد مباشر لعمق مناطق سيطرتهم من جهتي الجنوب والغرب، وهو ما يجعل الاستماتة في كهبوب معركة حياة أو موت لتأمين خطوط دفاعهم الساحلية بأكملها.
على ضوء هذه المعطيات المتشابكة، يتجاوز جبل كهبوب كونه مجرد مرتفع صخري تتكسر عنده محاولات التسلل وقذائف الاستنزاف، ليتحول إلى مرصد استراتيجي دقيق وخلاصة تحليلية لواقع الصراع. إن ربط الواقع الميداني، الذي تجسده الضربات الاستباقية الدقيقة لقوات العمالقة، بالمعادلة الكبرى في البحر الأحمر، يبرهن على أن السيطرة على هذا الحصن العالي تعني صياغة قواعد اللعبة في أحد أوعر وأهم الممرات المائية في العالم. هكذا، يبقى جبل كهبوب بمثابة "صندوق أسرار" عسكري وعقدة توازن حساسة، فكل طلقة تطلق على سفوحه تتردد أصداؤها في خطوط التجارة الدولية، وكل تحصين فيه يحدد ما إذا كانت البوابة الجنوبية للبحر الأحمر ستظل مفتوحة وآمنة أم رهينة لحسابات النفوذ وحروب الاستنزاف المفتوحة.
وفي السياق، يرى المحلل العسكري العقيد عبد العليم أبو طالب، في تصريحات لـ"العربي الجديد"، أن "معركة جبهة جبل كهبوب تعد المعركة الحاسمة والفاصلة لعمليات الساحل الغربي برمتها، فمن خلال محاولات السيطرة على هذا الجبل، يسعى الحوثيون إلى تعزيز وتثبيت أقدامهم وشرعنة نفوذهم على الشريط الساحلي وباب المندب نهائياً".
ويوضح أبو طالب عسكرياً: "لا قيمة حقيقية أو معنى لسيطرة الحوثيين على باب المندب ما داموا لا يمسكون بزمام جبل كهبوب، إذ يظل ظهرهم مكشوفاً بالكامل في جميع مناطق الساحل الغربي، وهو عامل تكتيكي فادح كلف الجماعة خسائر بشرية باهظة تجاوزت مئات القتلى، إن لم تصل إلى الألف، داخل ما يمكن وصفه بـ(مربع القتل) المفتوح على سفوح الجبل ومحيطه".
ويختتم المحلل العسكري حديثه بتأكيد القيمة الاستراتيجية للقمة، قائلاً: "على الجانب الآخر، تمثل جبهة كهبوب للقوات الحكومية نقطة الانطلاق الاستراتيجية لاسترداد ما فقدته في الساحل الغربي، كما تشكل الحصن الأخير المانع لهذه القوات، فضلاً عن كونها خط الدفاع الأول والحاسم عن العاصمة المؤقتة عدن وعموم المحافظات الجنوبية".
