صوت عدن / سبوتنيك : 

أعلنت جماعة "أنصار الله" اليمنية، في وقت سابق اليوم، الأحد تنفيذ عملية عسكرية قالت إنها استهدفت تحشيدات سعودية ومخازن أسلحة في منطقة المخا بمحافظة تعز جنوب غربي اليمن.
وقال المتحدث العسكري باسم "أنصار الله" العميد يحيى سريع، في بيان إن العملية جاءت ردا على ما وصفه باستمرار التحشيد السعودي وتعزيز القوات بالأسلحة والمعدات إلى جانب ما قال إنها اعتداءات في الساحل الغربي ومحافظة تعز.
وأضاف سريع أن العملية تم تنفيذها باستخدام عدد كبير من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، مشيرا إلى أن الهجمات "حققت إصابات دقيقة" وأدت إلى تدمير معدات وأسلحة ومقتل وإصابة العشرات بينهم سعوديون.
وشهدت الأيام الماضية تصعيدا في التوتر بين جماعة "أنصار الله" اليمنية والمملكة العربية السعودية بعدما هدد زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي باستهداف منشآت نفطية وحيوية في السعودية، في حال شنت المملكة هجمات جديدة على مناطق سيطرة الجماعة على خلفية تسيير رحلات جوية بين صنعاء وطهران دون موافقة الرياض، مؤكدا رفض استمرار ما وصفه بـ"الحصار" والتحكم بالمطارات والموانئ اليمنية.
والسؤال هنا: هل أغلقت العمليات التي قامت بها "أنصار الله" ضد قوات الطوارئ اليمنية في شبوة قبل أيام وعملية المخا اليوم واستهداف السعودية الباب أمام إمكانية العودة إلى التهدئة واستئناف مسار المفاوضات؟
استمرار التصعيد
أكد اللواء عبد الله غانم القحطاني الخبير العسكري والاستراتيجي السعودي، أن كل شيء متوقع في اليمن، وأن الهدنة لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، مشيرا إلى أن الحكومة الشرعية والشعب اليمني لا يمكنهما البقاء تحت ضغط جماعة "أنصار الله" والوجود الإيراني.
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك"، أن ما يحدث كان متوقعا، بل إنه تأخر كثيرا، موضحا أنه حتى إذا حدثت تهدئة مؤقتة، فإن المصير في النهاية سيكون باتجاه الحرب ضد الحوثيين، كما حدث مع حزب الله في جنوب لبنان والميليشيات في العراق، وكذلك الميليشيات السابقة في سوريا.
وتابع القحطاني أن الوضع في اليمن أخذ وقتا أطول مما ينبغي، لافتا إلى أن الأمور مرشحة للتطور نحو هجوم كبير جدا ضد الحوثيين بهدف إخراجهم من صنعاء، معتبرا أن هذا هو المصير الذي لا بد منه، وإن كان قد تأخر كثيرا.
وأوضح أن المؤشرات الحالية تشير إلى مزيد من التصعيد، حتى في حال حدوث هدنة مؤقتة أو تراجع لفترة قصيرة بهدف التقاط الأنفاس، أو نتيجة ضغوط دولية على الحكومة الشرعية أو الحوثيين، مؤكدا أن ذلك لن يعني أن الوضع سيستمر طويلا من دون اشتباكات.
الهجوم الكبير
ولفت القحطاني إلى أن الهجوم الكبير الذي قد تشنه الشرعية اليمنية على الحوثيين سيكون ردا على انتهاكات حقوق الإنسان واستهداف المدنيين بالصواريخ، فضلا عن تدهور الأوضاع المعيشية وتجويع الشعب اليمني ، مؤكدا أن الأوضاع مرشحة لمزيد من القتال داخل اليمن، وأن احتمالات التهدئة الطويلة تبدو محدودة.
وختم بالقول: إن "المرحلة المقبلة قد تشهد أيضا مساندة دولية للجيش اليمني والحكومة الشرعية، وليس فقط من السعودية أو التحالف العربي، وإنما من دول أخرى قد تقدم دعما بهدف استعادة سيادة اليمن وصولا إلى استعادة صنعاء وإنهاء سيطرة الحوثيين على الحكم".
رسائل عديدة
في المقابل، قال الكاتب والمحلل السياسي اليمني أكرم الحاج إن التصعيد العسكري المتزايد في اليمن يحمل رسائل عدة، موجها بعضها إلى الداخل اليمني وأخرى إلى المملكة العربية السعودية والمجتمع الدولي والمبعوث الأممي.
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك" أن موقف صنعاء التصعيدي يحمل عنوانا عريضا يتمثل في "التصعيد بالتصعيد" ، مشيرا إلى أن صنعاء تطالب بتنفيذ الاستحقاقات الواردة في خارطة الطريق التي أبرمت بوساطة المجتمع الدولي، بهدف تسوية الملف اليمني وإنهاء حالة الحرب.
وتابع الحاج أن خارطة الطريق التي جرى التوصل إليها في عام 2022 لم تشهد، حتى الآن، تقدما في تنفيذ الاستحقاقات التي تطالب بها صنعاء، وفي مقدمتها رفع الحصار عن المنافذ والموانئ والمطارات اليمنية، ودفع رواتب موظفي الدولة، ومعالجة التداعيات التي خلفتها الحرب على صنعاء وعدد من المحافظات اليمنية.
وأشار إلى أن التصعيد الحالي يبدو وكأنه رسالة من صنعاء بأنها قادرة على انتزاع مطالبها بالقوة، إذا لم تستجب السعودية والمجتمع الدولي لمطالبها، لافتا إلى استهداف مواقع في مأرب وشبوة، فضلا عن العملية التي شهدتها المخا، باعتبارها مؤشرات على تصعيد متبادل بين الأطراف.
وأضاف المحلل أن استهداف مطار صنعاء جاء، من وجهة نظر صنعاء، في إطار التصعيد، بعدما منعت طائرة إيرانية من الهبوط في مطار صنعاء واضطرت إلى الهبوط في مطار الحديدة، معتبرا أن هذه الواقعة شكلت شرارة أولى للتصعيد الحالي.
المشاورات لا تزال مفتوحة
وحول مستقبل الأوضاع في اليمن، قال الحاج إن ما يجري على الأرض لا يعني بالضرورة أن الحرب المفتوحة قد بدأت، مؤكدا أن التطورات الحالية لا تزال في إطار رسائل متبادلة بين مختلف الأطراف.
وأشار إلى أن نافذة المشاورات في سلطنة عمان بين وفد صنعاء والأطراف الأخرى، وبمشاركة المبعوث الأممي، ما زالت مفتوحة، ولم تغلق مباحثاتها وأجندتها بشكل نهائي، رغم عدم وجود معالم واضحة حتى الآن بشأن الاتجاه الذي ستسلكه هذه المشاورات.
وأوضح الحاج أن العودة إلى خارطة الطريق والبدء في حلحلة الملفات التي تطالب بها صنعاء يمكن أن يساهم في تهدئة الأوضاع واستعادة الاستقرار، مؤكدا أن استمرار التصعيد لن يخدم أي طرف يمني.
ولفت إلى أن قوات الحكومة الشرعية تصعد هي الأخرى في عدد من الجبهات، سواء من خلال بياناتها العسكرية أو القوى السياسية، معتبرا أن المرحلة الحالية يمكن وصفها بأنها "جس نبض" بين جميع الأطراف، في محاولة لمعرفة حدود ردود الفعل وإمكانات كل طرف.
الحرب البرية الشاملة
وحول الحديث عن احتمال اندلاع حرب برية، أكد الحاج أنه لا توجد في الوقت الراهن، مؤشرات على حرب برية شاملة من أي اتجاه، سواء داخل اليمن أو بين اليمن والسعودية.
وقال إن ما يحدث يقتصر على مناوشات قد تكون حدودية، وتحركات في بعض الجبهات بين الفرقاء اليمنيين، إلى جانب استخدام الطائرات المسيرة والصواريخ، مشددا على أن هذه التطورات لم تصل إلى مرحلة الحرب البرية بمفهومها الشامل.
واستطرد أن "الأوراق ما زالت مغلوطة ومخلوطة" بين مختلف الأطراف، مؤكدا أن القراءة الأهم للمشهد هي أن الجميع لا يريد الحرب، بما في ذلك المملكة العربية السعودية، التي تدرك أن الدخول في مواجهة جديدة لن يكون في مصلحتها.
وأضاف الكاتب والمحلل السياسي اليمني أن أي تصعيد سعودي أكبر، أو تصعيد من قوات الحكومة الشرعية ضد "أنصار الله"، قد يدفع الجماعة إلى استهداف الأراضي السعودية، في ظل امتلاكها قدرات صاروخية وطائرات مسيرة يمكن أن تجعل المملكة عرضة للاستهداف.
وأكد أن الحرب لن تخدم أي طرف، قائلا إن "السعودية ستخسر واليمنيين سيخسرون أيضا"، مشددا على أن الحل يكمن في العودة إلى طاولة الحوار وحلحلة الملفات العالقة ضمن خارطة الطريق.
وختم الحاج بالتأكيد على أن خارطة الطريق تظل، في تقديره، المسار الوحيد الممكن للعودة إلى التسوية، وأنه لا يمكن للأطراف العودة إلى الوراء بعد سنوات من الحرب والتصعيد.
مشهد معقد
من جانبه، قال عبد العزيز قاسم، القيادي في الحراك الجنوبي باليمن، إن الحرب التي بدأت في اليمن كان بالإمكان حسمها لصالح الحكومة الشرعية، خاصة مع توافر عوامل وأسباب الحسم، من حيث الإمكانيات والدعم الإقليمي والدولي، وتعزيز موقف الحكومة الشرعية عبر الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وحضورها إلى العاصمة صنعاء، إلى جانب تماسك التحالف العربي.
وأكد في حديثه لـ"سبوتنيك" أن من عوامل الحسم أيضا التقاء عدة قوى جمعتها خصومة النظام وموقفها المناهض لجماعة "أنصار الله" الحوثيين، مشيرا إلى أنه، وإن كانت لكل قوة حساباتها وأهدافها المستقلة عن القوى المنضوية في إطار التحالف والشرعية، فإن ما كان مستحيلا من التقاء هذه القوى المتناقضة أصبح ممكنا تحت إطار التحالف.
وأضاف قاسم أن كل هذه العوامل، رغم توافرها، لم تؤد إلى حسم المعركة لصالح الشرعية والتحالف، ومع مرور السنوات فقدت هذه القوى، سواء الداخلية المتمثلة في الشرعية أو الإقليمية والدولية، كثيرا من قدرتها على الحسم، وبدلا من ذلك اتجهت نحو الحوار والجنوح إلى التهدئة والمهادنة.
وأشار القيادي الجنوبي إلى أن المشهد أصبح أكثر تعقيدا، فكلما بدأت الأطراف في معالجة أزمة، تفاجأت بأزمة أشد، لافتا إلى أنه في ظل طول أمد الصراع واستخدام مختلف الوسائل السلمية والعسكرية، لم تستطع الأطراف حسم المعركة، فكيف يمكن الحديث عن الحسم بعد تفكك التحالف العشري وانتقال الصراع إلى مسارات أخرى بين هذه القوى نفسها؟
واستطرد قائلا إن الصراع انتقل كذلك إلى المحرك والداعم الإقليمي والدولي، فضلا عن تجاوزه التوصيفات السابقة المتعلقة بالانقلاب على الحكومة الشرعية، حيث تقلصت أهداف الشرعية من استعادة الدولة وتسليم السلاح من قبل الانقلابيين إلى الدخول في حوار معهم باعتبارهم جزءا من الحل، وليسوا السبب الوحيد الذي يجب أن ينتهي.
شروط القوة
ونوه قاسم إلى أن السلاح النوعي أصبح في حوزة جماعة "أنصار الله"، وهو ما يمثل عاملا مؤثرا في فرض أجندتها وأهدافها، مشيرا إلى أن استخدام هذه الأسلحة لم يكن منذ بداية الحرب، وإنما برز خلال السنوات الثلاث الأخيرة في البحر الأحمر، بالتزامن مع بروز تحالفات لحماية الممرات المائية، دون أن تتمكن هذه التحالفات من التأثير أو الحد من هذه العمليات.
ولفت قاسم إلى أن الحديث عن الحوارات والعودة إلى التهدئة يعد ضربا من الخيال، حتى وإن جنحت الأطراف إلى التهدئة، لأنها سرعان ما تعود إلى الحرب، خاصة بعدما أصبحت التهدئة والحوار والحديث عن السلام جزءا أساسيا من استراتيجية للالتفاف وفرض شروط أكثر قسوة على الطرف الأضعف، المتمثل في الشرعية والتحالف السعودي، أو ما تبقى من أفراده.
وأكد أن اليمن أمام سلسلة جديدة من المعارك لا يبدو فيها أفق لحسم الصراع لصالح الحكومة الشرعية والتحالف، كما لا يوجد حسم مريح لصالح "أنصار الله" الحوثيين، مشيرا إلى أن قصف الحوثيين لقوات الطوارئ في حضرموت، وما جرى اليوم في المخا، لم يقابله رد أو ما يؤشر إلى حسم عسكري من قبل أي طرف.
وقال إن اليمن لديه تجارب كثيرة تؤكد أن وضعه يختلف عن بقية دول المنطقة، موضحا أن الخيارات تظل محصورة بين حسم عسكري لصالح أحد الأطراف أو حوار يفضي إلى معركة جديدة، معتبرا أن الصراع لم يصل بعد إلى مرحلة يمكن معها الحديث عن نهاية حاسمة.
سيناريوهات محتملة
أما بشأن إغلاق أبواب التهدئة، فأوضح قاسم أنها لا تزال مفتوحة ويتم طرقها في أي لحظة، مؤكدا أنه لا يوجد إغلاق نهائي لها ولا تحريك جزئي، وإنما تظل احتمالات العودة إليها قائمة وفقا لتطورات المشهد.
وأشار إلى وجود سيناريوهات محتملة سواء عبر المعركة البرية أو من خلال تبني حوار بين الحكومة الشرعية والقوى الجنوبية، بما يفضي إلى وضع حلول لمسألة الإقليمين الشمالي والجنوبي، والحصول على اعتراف دولي يضع حدا أمام الحوثيين في حال فكروا في اجتياح الجنوب مرة أخرى.
وأضاف أن شرط الأساس في أي تسوية يجب أن يكون اعتبار اجتياح الجنوب تجاوزا لقرارات أممية سابقة والعودة إليها، بما يمكن أن يعيد نوعا من التوازن والثقل إلى الأمم المتحدة والقوى الإقليمية والدولية، ويؤسس لاستقرار دائم.
ولفت قاسم إلى أن استعادة سيادة اليمن الجنوبي على باب المندب يمكن أن تمهد لاستقرار أوسع في المنطقة، باعتبار أن أمن هذا الممر البحري يمثل عاملا أساسيا في استقرار اليمن والمنطقة ككل.