حان الوقت لتستعيد الأقلام الحرة حضورها
في زمن الحرب لا يبقى الخطر محصوراً في صوت الرصاص، بل يمتد إلى الكلمة التي تُباع، والقلم الذي يتخلى عن ضميره، والوجه الذي يبدّل مواقفه مع تبدّل المصالح. فكم من مداهنٍ ارتدى ثوب الوطنية، وكم من منافقٍ زيّن الباطل بالكلمات المنمقة، ليس حباً في الوطن، ولا إيمانًا بفكرة او عقيدة ، وإنما طمعاً في مال، أو منصب، أو قرب من السلطة، أو بدافع الضغينة والكراهية تجاه من يخالفه الرأي.
لقد عانى اليمن طويلاً من هذه الفئة (رجالاً ونساءً) التي احترفت التضليل وتزييف الوعي؛ وجوه وأقلام اتخذت من التزلف تجارة رابحة على حساب آلام الناس وأوجاعهم . ولم يكن خطَر هؤلاء المأجورين محصوراً في الدفاع عن طرف سياسي أو التملق للحاكم، بل تعداه إلى صناعة الوهم وتزوير الحقائق، وتشويه الشرفاء الذين رفضوا الانصياع والانقياد، متجاهلين حجم الدمار والشروخ الاجتماعية التي يخلفها خطابهم المسموم في جدار الوطن.
إن المعركة الحقيقية اليوم هي معركة وعي وأخلاق ، قبل أن تكون نزاعاً سياسياً؛ فالشعوب التي يُغَيَّب وعيها وتُسلب إرادتها يسهل جرها نحو الهاوية والخراب. غير أن اللوم لا يقع على المضللين وحدهم، بل يتحمله أيضًا أصحاب العقول والضمائر الحية الذين اختاروا الصمت والانكفاء. فأين الأقلام الشريفة والمثقفون الذين ملؤوا الدنيا حديثاً عن التنوير؟ وهل ينتظرون طريقًا مفروشة بالورود ليقولوا كلمة الحق في المنابر؟
إن الكلمة الصادقة لا تقل أهمية عن أي نضال وطني؛ إذ لا تنهض الأوطان بالسلاح وحده، بل الشجاعة الأدبية والموقف الأخلاقي والحرية هم اعمدة النهوض الحقيقية. والتاريخ على مر العصور لم يخلّد المنافقين أو محترفي التبرير ، بل خلد أولئك الذين صمدوا وقالوا كلمة حق في أحلك الظروف.
لقد حان الوقت لتستعيد الأقلام الحرة حضورها، وتغادر دائرة الخوف والسلبية؛ فالوطن لا يحتاج إلى مزيد من المصفقين والمداهنين، بل يفتقر إلى الشرفاء الذين يمتلكون الجرأة لنطق الحقيقة دون مأرب أو خوف. فالنفاق لا يبني مجتمعاً، والتزلف لا يحمي أرضاً، وتظل الكلمة الحرة هي الحصن الأخير لحماية ما تبقى من كرامة الأمة ووعيها.