في يوم من الأيام بعد ان أُصبت بنوبة نفسية حادة أخذني صديق لي إلى أحد الأطباء النفسيين..
وصلت وكانت العيادة هادئة يلفها بياض يمتص ضجيج العالم بالخارج.جلست أمام الطبيب النفسي أحمل في صدري ثقلاً لم تكن موازين الأرض لتتحمله..صدمة ذلك الإتهام الجائر بخيانة الأمانة لم تكن مجرد قضية زور بل كانت زلزالاً ضرب أركان ثقتي بالبشر وجعلني أدخل في دوامة فضلت فيها الاختلاء بنفسي ليس هروباً بل بحثاً عن "أنا" التي ضاعت وسط زحام الظلم والخذلان.
 نظر إلي الطبيب طويلاً وقال: 
  -أكتب.. أخرج ما بداخلك فالورق لا يخون.
وهناك فوق صفحات الدفتر بدأت الحكاية تتفجر كالينابيع .بدأت أكتب عن مرارة تلك التهمة، وعن تلك العيون التي أحببتها يوماً وسكنتني، لكن الأقدار شلت يدي عنها فلم تكن لي، لكن وسط عتمة الخذلان كان يبرق وجه أُمي ودعواتها ورائحة باخمري الصباح الذي يعيد لروحي اتزانها قبل أن يبدأ ضجيج اليوم...
 حكيت للطبيب عن عزوتي وأصدقائي الذين لم تنجبهم أمي بل أنجبتهم لي الحياة بمواقفهم .خصصت صفحات لصديقي برودي.. الكاتب البليغ الذي كان يرمم إنكساراتي بحروفه الجميلة، فكنا نتبادل الكتابة كمن يتبادل الأنفاس وسط حريق .هو يواسيني ببلاغته وأنا أفرغ له حمولة قلبي.
انتقلت في وصفي إلى الديس، حصنها العتيق الذي يقف شامخاً ككبريائي، وساحته التي شهدت ركضا وانساً ولقاءات. حكيت له عن أزقة وادي عمر وعن عمال النظافة الذين يكنسون الحزن عن وجه الشوارع كل فجر. استحضرت وقوف الشيخ سالم سنداً لي وألحان نور الفن أنور الحوثري وقصائد "باجعالة" والسيد "المحضار"، "الزبوري" التي تجري في عروقنا مجرى الدم.
قلت للطبيب والدمع يغالبني يا دكتور أنا لست مجرد قضية زور أنا ابن تلك المزارع .أنا الحومة، وعتم المياه العذب .أنا شجرة السيسبان الصبورة التي نستظل بها. أنا دفء مياه الصيق الساخنة التي تغسل الأوجاع وتشفي الامراض.
تحدثت بحنين جارف عن الرجيدة وحبي لها ،وعن ذكريات الصداقة التي نقشت على جدرانها، وعن بقايا أثر بيت جدي عمر بن حازم الذي يربطني بالأرض والجذور. عن مشايخ وبدو وحضر الرجيدة عن وفائهم عن حكاية حب باقية! أخبرته عن "نادي الشبيبة الرياضي" وصيحات الجماهير التي كانت تمنحنا الشعور بالانتصار.
في نهاية الجلسة أغلق الطبيب دفتره وقال لي بابتسامة هادئة:
 - من يملك خلفه كل هذا التراث ويحمل في قلبه وفاء الأصدقاء وعمق التاريخ لا يمكن لإتهام زور أن يكسره. أنت لا تحتاج لعلاج كيميائي أنت تحتاج فقط أن تتذكر أنك حصن لا ينهدم ،وأن خيانة الأمانة التي اتهموك بها يقابلها أمانة عظمى في عنقك تجاه كل هذا الجمال الذي كتبته.
خرجت من عنده.. ووصلت الى الديس ولم تكن أزقة الديس مجرد طرقات، بل كانت شرايين تعيد نبض الحياة لقلبي مؤمناً أن الظلم زائل وأن الديس وجذورها ستبقى هي الحقيقة الوحيدة.