قراءة في عاصفة الحزم: من كبح التمدد الى التسوية السياسية
بعد احد عشر عاماً على انطلاق عاصفة الحزم، لم يعد السؤال: ماذا حققت؟ بل: لماذا لم تُحسم؟ فهذه العملية، التي بدأت كرهان على الحسم العسكري، انتهت الى واقع يمكن قراءته بأن اليمن لا يُدار بمنطق القوة وحدها، بل بتوازنات اعقد من أن تُختزل في معركة.
في لحظتها الاولى، كانت عاصفة الحزم ضرورة اكثر من كونها خياراً. فقد اوقفت التمدد الحوثي، ومنعت سقوط اليمن بالكامل في قبضة سلطة الأمر الواقع، واعادت رسم خريطة السيطرة، ووفرت للحكومة الشرعية فرصة البقاء واستعادة جزء من حضورها. كما وجهت رسالة إقليمية واضحة بأن أمن الخليج لا يقبل الاختبار من بوابة اليمن.
لكن ما بدا في البداية إنجازاً عسكرياً، واجه لاحقاً ضغوطاً دولية سعت الى توظيف الصراع، واصطدم بحقيقة اكثر تعقيداً مفادها أن لا حسم في الأفق. فتحولت الحرب تدريجياً الى استنزاف مفتوح، تعددت فيه الجبهات وتضاربت فيه الحسابات، ليس فقط بين الخصوم، بل داخل المعسكر الواحد. ومع تصاعد الكلفة الإنسانية والاقتصادية، لم يعد استمرار النهج ذاته خياراً قابلاً للاستدامة.
هنا بدأ التحول الصامت من لغة الحسم الى إدارة التوازن، ومن منطق المعركة الى حسابات التسوية. ولم يكن توقف عاصفة الحزم تراجعاً بل مراجعة للواقع والنتائج، وإعادة تعريف للأولويات. فالهدف لم يعد كسب الحرب، بقدر ما اصبح منع الانهيار الشامل وتهيئة شروط الحل.
ومع هذا التحول، برزت أدوات جديدة: تهدئة، وساطات، اتفاقات جزئية، وإجراءات لبناء الثقة. ولم يعد السلاح وحده من يرسم المشهد، بل طاولات التفاوض التي تحاول ببطء، التقاط ما عجزت عنه الجبهات.
اليوم، وبعد اكثر من عقد، تتكشف الحقيقة الاكثر وضوحاً وهي أن عاصفة الحزم نجحت في كبح التمدد، لكنها لم تستطع—ولم يكن ممكناً لها—أن تفرض سلاماً في ظل واقع محلي معقد وحسابات دولية متشابكة. فاليمن لم يعد ساحة حرب تقليدية، بل عقدة توازنات داخلية وإقليمية تتجه تدريجياً نحو مزيد من التدويل، ولن تُحل الا بتسوية سياسية شاملة.
لذلك، فإن المسار الحقيقي الذي بدأ بالعاصفة، سينتهي عند التسوية، حيث تُبنى الدولة من جديد، لا بقوة السلاح ولا على اساس الغلبة، بل على قاعدة الشراكة والتفاوض. وهناك فقط يمكن الحديث عن نهاية فعلية للحرب، لا مجرد توقف مؤقت لها.